الحاج طاهر عبد القوي

حين كان الطيبون يمشون بيننا

الحاج طاهر عبد القوي

طبتم أحبتي وطابت أيامكم بكل خير وصحة وعافية، وها أنا أعود إليكم من جديد لنطوف سويًا داخل بستاني العامر بالطيبين… ذلك البستان الذي كلما دخلته هبت علي نسائم الزمن الجميل، زمن كانت فيه القلوب أنقى، والوجوه أصدق، والمحبة تُرى في العيون قبل الكلام، زمن كان الناس فيه يعرفون قيمة بعضهم البعض، ويحملون في صدورهم صفاءً نفتقده كثيرًا في أيامنا هذه.

ونحن نستقبل العشر الأوائل من شهر ذي الحجة… تلك الأيام المباركات التي أقسم الله بها في كتابه الكريم، أيام تتنزل فيها الرحمات، وتُفتح فيها أبواب السماء، وتعلو فيها أصوات الدعاء، وترتجف فيها القلوب شوقًا لرحمة الله وعفوه ورضاه.

فاللهم اجعل لنا فيها نصيبًا من الخير لا ينقطع، ونصيبًا من الرحمة يغسل همومنا، ونصيبًا من الدعاء المستجاب الذي يبدل أحزاننا فرحًا، اللهم ارزقنا فيها راحة لا نشقى بعدها أبدًا، واكتب لنا ولكم زيارة بيتك الحرام، والوقوف بعرفات، وشرب ماء زمزم، ورؤية الكعبة المشرفة ونحن في أتم الصحة والعافية وراحة البال يا رب العالمين.

اللهم في هذه الأيام المباركة اغفر لموتانا وموتى المسلمين، وارحم من اشتاقت إليهم قلوبنا وهم تحت التراب، اللهم اجعل قبورهم نورًا وضياءً وسعة وسرورًا، ولا تحرمهم لذة النظر إلى وجهك الكريم، واجمعنا بهم في جنات النعيم غير خزايا ولا محرومين.

وأنا أسير اليوم داخل بستاني العامر … وأتنسم عبق جبلنا أيام زمان، وأبحث بين الوجوه القديمة عن ملامح الطيبة التي افتقدناها كثيرًا… رأيته وكأنه ما زال بيننا، بنفس هدوئه، ونفس قسمات وجهه التي كانت تشبه وجوه الصالحين، ونفس الابتسامة التي كانت تدخل الطمأنينة إلى القلوب دون أن يتكلم.

إنه عمنا الحاج طاهر عبد القوي رحمه الله.

ذلك الرجل الذي كان بابًا من أبواب الطيبة، ووجهًا يحمل راحة لا تُشترى، ورجلًا إذا رأيته شعرت أن الدنيا ما زالت بخير.

كنت إذا دخلت بقالته شعرت وكأنك دخلت بيتًا يعرفك ويحبك، لا محلًا للبيع والشراء، كان يستقبلك بابتسامته قبل سلامه، ويسألك عن أحوالك بمحبة صادقة، ويعاملك بأدب جعلنا نؤمن أن الأخلاق ليست كلمات تُقال… بل أثر يبقى داخل القلوب مهما مر الزمن.

كان من الرجال الذين يتركون في النفس راحة، ومن الناس الذين تشعر معهم بالأمان والود دون تكلف، رحل جسده… لكن سيرته ما زالت حاضرة في البيوت والطرقات وقلوب الناس.

رحم الله عم طاهر فهو يذكرنا بزمنً كانت فيه الكلمة الطيبة صدقة حقيقية، وكان الاحترام أصل التربية، وكان الكبير كبيرًا بهيبته وحنانه، وكان الصغير يعرف قدر الكبير، وكانت الجيرة رحمة، والمحبة خالصة، وكان الناس يفرحون لرؤية بعضهم البعض دون مصلحة أو حسابات.

رحم الله تلك الايام التي كانت البيوت فيها مفتوحة بالمودة، وكانت القلوب أنقى من أن تحمل ضغينة، وكانت الضحكة تخرج من القلب، وكانت البركة تسكن الوجوه والبيوت والأرزاق.

عمنا الحاج طاهر كان واحدًا من هؤلاء الذين تركوا داخلنا أثرًا لا يموت. رجل إذا ذُكر ذُكرت معه الطيبة والخلق الحسن

فاللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار، اللهم آنسه في وحدته، وارحمه في غربته، واجعل القرآن الكريم نورًا له في قبره، واجعل عمله الصالح شفيعًا له يوم يلقاك.

اللهم ارزقه الفردوس الأعلى من الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب، وارزقه صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

اللهم اجعل كل من عرفه ودعا له في ميزان حسناته، واجعل ذكراه الطيبة صدقة جارية لا تنقطع إلى يوم الدين، وألحقنا به على خير

ورحم الله أيامًا كنا نرى فيها الحب في العيون، والود في القلوب، والبركة في وجوه كبارنا… أيام لم تكن فيها الحياة سهلة… لكنها كانت جميلة بأهلها، جميلة بطيبة الناس، وجميلة بالرضا الذي كان يسكن النفوس.

وما زلنا نبحر مع الطيبين… وما زلنا نقطف زهرة تلو الأخرى من بستانٍ كلما ظننا أن الخير رحل منه… وجدنا فيه رجالًا تستحق أن تُروى حكاياتهم للأجيال، حتى تعرف الأجيال القادمة أن هذه البلدة أنجبت رجالًا مروا من هنا… فتركوا خلفهم سيرة لا يطويها الزمن ولا تنساها القلوب.

وغدًا يتجدد اللقاء مع واحدٍ من هولاء الطيبين… إن كان في العمر بقية.


لا توجد تعليقات بعد.

إضافة تعليق
اضغط Ctrl+Enter لإرسال التعليق