طبتم أحبتي، وطابت أيامكم بكل خير وصحة وسعادة ورضا من الله…
ما زلنا بفضل الله وقوته نطوف سويًا في بستان الطيبين… ذلك البستان العامر الذي كلما مرّ عليه الزمن ازداد بهاءً ونورًا، كأنه لا يكبر بالعمر… بل يكبر بالذكريات وأهلها.
وفي جولة اليوم داخل البستان… وفي الموعد الذي اعتدت أن أراه فيه وألتقي فيه بوجوه ألفتها الروح قبل العين…
رأيت من بعيد ما يشبه اجتماعًا حول طاولة طويلة، تحيط بها مجموعة من الكراسي، والهدوء يملأ المكان بشكل لافت.
لم أستطع تمييز الوجوه في البداية… لكن كان هناك صوت واحد فقط، واضح، حاسم،
"كل واحد يعمل المطلوب منه… وبلاش كلام كتير."
وهنا… عرفت فورًا أنه:
الحاج أحمد صالح عبد الغني.
نعم إنه الحاج احمد صالح … أتيتكم اليوم بعلامة من علامات الجبل الأصفر.
رجل من جيل الوسط، لكنه عاش بين الكبار، فتعلم منهم، واحتك بالعظماء، فخرج من بينهم بصورة رجل مختلف… رجل يجمع بين القوة والهدوء، وبين الحزم والبساطة.ولم لا وهو رجل عسكري في انضباطه… إداري في فكره… اجتماعي في حضوره… وصادق إلى حد يجعلك تطمئن له من أول كلمة.
كان رئيس مجلس إدارة جمعيتنا العامرة في فترة من الفترات، وكان العمل وقتها يسير بنظام واضح، لا مجاملة فيه ولا فوضى…
كل واحد يعرف ما عليه وكل شخص يُعامل بما يستحق… لا أكثر ولا أقل.
كان وجوده على رأس المجلس يشعرنا جميعا بالطمأنينة… ليس لأنه يتكلم كثيرًا، بل لأنه إذا تكلم… انتهى الكلام.
ومع كل علمه وخبرته الكبيرة…
لم يكن يومًا من أولئك الذين يتحدثون فيما لا يُطلب منهم.
ولي معه موقف لا أنساه…
كنا نجري اختبارات مسابقة القرآن الكريم داخل مسجدنا العامر في شهر رمضان، وقت العصر.
وكعادته كان موجود بالمسجد وقتها يشاهد بهدوء، دون أي تدخل أو تعليق
لم يوجّه نقدًا، لم يفرض رأيًا، لم يُظهر أنه يعلم أكثر…
فقط تابع بصمت. طلبت منه النصيحة لم يستعرض لم بتعالي بل قال كملو ربنا يوفقكم فقط جمله من ثلاث كلمات وكفي هذا هو الحاج احمد صالح عليه رحمة الله
وكفى.
وكان من أكثر الناس حرصًا على صلاة الجماعة، وخاصة صلاة الفجر…
كأنه كان يبدأ يومه من باب النور قبل أي شيء آخر.
فاللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وجافِ الأرض عن جنبيه، وارزقه الفردوس الأعلى من الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب…
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له فيه ونوّر له دربه، واجمعنا به في مستقر رحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكروا دُعي لهم، وإذا رحلوا بقي أثرهم طيبًا بين الناس…
واغفر لنا ولوالدينا ولمن سبقونا إليك من عبادك الصالحين.
وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى لقاء جديد أن كان في العمر بقية من بستاني العامر … حيث الحكايات لا تنتهي، لكن العبرة دائمًا تبدأ من القلب
حسين عارف المحفوظي
كاتب محتوى
لا توجد تعليقات بعد. سجّل الدخول لبدء نقاش ابدأ نقاشًا جديدًا